الياس شوفاني
466
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
بضرورة ردّ الاعتبار لهيبة الجيش البريطاني ، في مرحلة تشتد فيها الحرب الباردة بين إنكلترا وكل من إيطاليا وألمانيا . كما قدمت القيادة العسكرية البريطانية تبريرات لتعزيز قواتها في فلسطين بضرورة حماية قناة السويس ، وخصوصا في إثر الاتفاقية البريطانية - المصرية ( 1936 م ) ، والقيود التي فرضتها على حجم الحامية الإنكليزية هناك . وتضافرت هذه العوامل جميعا لتدفع حكومة لندن في اتجاه إظهار قبضة بريطانيا القوية ، وخصوصا بعد التلميحات التي أطلقها بن - غوريون في لقاء مع أورمسبي - غور ، أن استرضاء العرب سيدفع الحركة الصهيونية إلى تغيير تحالفاتها ، والمساعدة على إقصاء بريطانيا من المنطقة . واعتمدت حكومة لندن سياسة القضاء على الثورة أولا ، ومن ثمّ يأتي العمل السياسي على أرضية جديدة ومتباينة . واتخذ مجلس الوزراء ( 2 أيلول / سبتمبر 1936 م ) قرارا بهذا المعنى ، ينطوي على إنهاء مهمة نوري السعيد بالوساطة ، وإرسال تعزيزات إلى فلسطين ، وتعيين الجنرال ديل قائدا لها ، ونقل السلطة من يد المندوب السامي إلى قائد الجيش إذا لزم الأمر . وأبلغت وزارة المستعمرات بإيقاف تدخل الدول العربية في شؤون فلسطين ، على أن تبقى أبوابها مفتوحة للهجرة اليهودية ، وذلك حتى ينتهي الإضراب ، وتتوقف الاضطرابات ، فيصبح بالإمكان مناقشة المسألة . وبعد هذا القرار ، بدأت حملة عسكرية محمومة في فلسطين ، بقيادة الجنرال ديل ، لكن الثورة صمدت ، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بها . ومع ذلك ، فقد دخلت المواجهة مرحلة جديدة وصعبة ، وأصبحت تستلزم قرارات حاسمة . وإلى جانب الترهيب بالسحق العسكري ، الذي تجمعت أدواته في فلسطين ، بقرار حازم من حكومة لندن ، مهدت له بالتلويح بإعلان الحكم العسكري ، عمدت إلى سياسة الترغيب عبر تفعيل الوساطة العربية مجددا . وتحت ضغط الواقع الذي تشكل - الصعوبات الاقتصادية نتيجة الإضراب الطويل والمخاطر العسكرية الماثلة للعيان ، من جهة ، والوساطة العربية ، من جهة أخرى - رضخت اللجنة العربية العليا إلى مطالب الحكومة البريطانية بإيقاف الإضراب وتجميد الثورة ، من دون أن تقدم هذه الأخيرة أية تنازلات ملموسة . وبررت اللجنة العليا قرارها بأنه موقت ، يوفر فترة من الراحة والاستعداد ، ويمكن التراجع عنه إذا جاءت قرارات لجنة بيل على غير ما ترغب . وبرزت معارضة لهذا القرار ، لكن السياسة البريطانية حققت نجاحا في تليين موقف اللجنة العربية العليا ، على أرضية الواقع الصعب الذي تشكّل . وبمعرفة المندوب السامي وتشجيعه ، توجه بعض أعضاء اللجنة العربية العليا إلى الرياض وعمان في أواخر أيلول / سبتمبر 1936 م . وفي 10 تشرين الأول / أكتوبر